الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
120
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
وذكر بعد هذه التقسيم أنّ « تقديم الإيجاب على القبول لا يكون إلّا في القسم الثاني من القسمين » يعني القسم الثاني والرابع ممّا ذكرنا ، ولم يذكر فيه أزيد ممّا عرفت ، والظاهر بقرينة ما سبق في كلامه أنّ الأول ، أي المصالحة وشبهها ، لا يتصور فيها تقديم القبول على الإيجاب لأنّ إنشاءهما سيان . وفي الثالث لا يتصور تقدم القبول لما عرفت من لزوم المطاوعة فيه ، فلا يبقى إلّا الثاني والرابع ، ويجوز فيهما تقدم القبول بلفظ « اشتريت » في مثل البيع ، وبلفظ « رضيت » في مثل الوكالة والعارية وأشباههما . هذا وما أفاده وإن كان جيدا من بعض الجهات إلّا أنّه لا يخلو عن بعض الإشكالات لجواز تقديم القبول في القسم الثالث أيضا على الأقوى ، إذا لم يكن الإنشاء بما يشتمل على مفهوم المطاوعة بأنّ يقول المرتهن : أخذت هذا منك بعنوان الرهن ، وكان في مقام الإنشاء ، قول الراهن : أعطيتك هذا بعنوان الرهن ، أو أعطيتك إيّاه كذلك . فيتحصل من ذلك جواز تقديم القبول في جميع هذه العقود إذا لم يكن بلفظ « قبلت » وما أشبهه ، ويشكل في ما كان بهذا اللفظ وشبهه لما عرفت من عدم عرفيته . الأمر الثاني : أنّه قد تقسم العقود إلى قسمين : « عهدية » و « إذنية » . فالعهدية ما تحتاج إلى إنشاء القبول ، والاذنية ما لا تحتاج إلّا إلى الرضا بالإيجاب فقط ، بلا حاجة إلى إنشاء آخر غير ما صدر من الموجب . ومثّلوا للأول بالبيع والنكاح وغيرهما من أشباههما ، وللثاني بالوديعة والعارية بل الوصية أيضا ، وصرّح بعضهم بأنّ الوكالة على قسمين : عهدية : وهي من العقود تحتاج إلى الإيجاب والقبول ، إذنية : وهي ما إذا أذن المالك لزيد مثلا في بيع داره صحّ له بيعها ، ولكن لا يترتب عليه أحكام الوكالة العهدية ، ثم ذكر عدم حاجة شيء من العقود الإذنية إلى اعتبار تقدم الإيجاب على القبول « 1 » . قلت : أمّا حكم القبول في العقود المختلفة فقد عرفته ، وأمّا كون شيء من العقود لا يحتاج إلى إنشاء غير الإيجاب ، فهو محل إشكال بل منع ، فانّ العقد أيّا ما كان أمر دائر بين
--> ( 1 ) . مصباح الفقاهة ، ج 3 ، ص 48 .